ذو الفقار قبيسي: إعادة بناء لبنان؟ “مانفستو” لاصلاح دستوري
December 18, 2017
Aspect Developers تعمل على مبدأ تطوير المباني الخضراء
January 16, 2018

 

بمناسبة التهديدات النووية الكورية الشمالية للولايات المتحدة

لقاء رئيس التحرير ذوالفقار قبيسي مع رئيس كوريا الشمالية

الراحل  كيم ايل سونغ جد الرئيس الكوري الحالي كيم جونغ اون

الزعيم الكوري كيم ايل سونغ مستقبلا رئيس التحرير ذوالفقار قبيسي على باب منزله الريفي في العاصمة الكورية الشمالية “بيونغ يانغ”

في ضوء تهديدات كوريا الشمالية، هذا اللقاء الصحفي الذي أجراه رئيس التحرير ذوالفقار قبيسي قبل 35 عاما مع الزعيم الكوري المؤسس كيم ايل سونغ جد الزعيم الكوري الحالي كيم جونغ اون في منزله الريفي خارج العاصمة بيونغ يان:

كان زعيم جمهورية كوريا الشمالية الراحل الماريشال كيم ايل سونغ وما زال، رمزاً حياً في  قلوب ملايين الكوريين الشماليين. وكنت كلما عالجت المسألة الكورية في مقالات تنشرها صحيفة “القبس” الكويتية التي توليت ادارتها العامة طوال سبع سنوات، أتلقى اتصالا من سفير كوريا الشمالية في الكويت بان هذه المقالات تلقى تقديرا في عاصمة بلده “بيونغ يانغ” مقر الزعيم الكوري الذي كان الطموح الرئيسي لديه توحيد شمال كوريا وجنوبها في دولة واحدة كان اسمها في التاريخ “كوريو”.

وذات يوم زارني السفير الكوري مع طاقم السفارة في الكويت، في مكتبي في “القبس” وأبلغني انه سيكون هناك موعد لي في العاصمة الكورية للقاء رئيس الجمهورية كيم ايل سونغ، وكي استعد للسفر. وهكذا حصل عندما طارت بي طائرة روسية  قديمة من موسكو التي كنت قد وصلت اليها من الكويت، واضطرت الطائرة للهبوط في سيبيريا، وتحديدا في “خباروفسك” الغارقة في الثلوج حتى اذنيها، ولم يكن هناك أجهزة تدفئة كافية في غرفة الانتظار، حيث مضينا ساعات في برد قارس،  لم وربما لن أعرف مثيلا له في حياتي، وذلك قبل ان تتجه الطائرة نحو العاصمة الكورية الشمالية حيث استقبلني في المطار أفواج من الفتيات الكوريات وفي أعناقهن أكاليل الزهور، فيما الموسيقى الكورية كانت تصدح. وقيل لي ان هذا النوع من الاستقبال يجري عادة لضيوف مميزين. ولم أعرف ان المقالات التي تنشر في “القبس” قد حولتني في نظر المسؤولين الكوريين الى هذه الرتبة العالية!.. وكانت الظاهرة التي لفتت نظري عندما بدأت أغرق في جموع الشعب الكوري، مدى المحبة والاحترام الذي يكنه هذا الشعب لزعيم هزم لفترة ما القوات الاميركية ودخلت قواته الى قلب عاصمة كوريا الجنوبية “سيئول” قبل أن يتمكن الأميركيون من اعادة قواته الى كوريا الشمالية. وأصبح كيم ايل سونغ بعدها أحد العوالم الرئيسية للنضال الوطني في العالم، فكيف في بلاده حيث يضع كل مواطن كوري صورته على صدره ولا يذكر اسمه الا مشفوعا  بعبارات من نوع القائد المبجل، والأب والمفكر والمعلم للأمة الكورية التي أقامت لكيم ايل سونغ تمثالا ضخما جدا مذهلا (الصورة) في احدى الساحات الرئيسية في العاصمة.

كنت أتوقع ان أقابل الزعيم الكوري في مكتبه في العاصمة، ولكن وبعد أن تأخر اللقاء أبلغني وزير الخارجية ومرافقه، انه سيستقبلني في منزله الريفي خارج العاصمة، حيث وصلت اليها لافاجأ ان الزعيم الكوري وبتواضع بالغ، ينتظرني على الباب الخارجي للمنزل (كما في الصورة). وعندما وصلت اليه وألقيت التحية قال لي: “انني سعيد جدا بلقائك فأنا أعرف الدور الذي تساهم فيه في النضال من أجل توحيد الأمة الكورية”. وعندما رديت التحية بأفضل منها، أجاب كيم ايل سونغ وبتهذيب متواضع: “كامساهاميدا” يعني بالكورية شكرا.

وفي منزل الزعيم الكوري أخذني بيدي الى الطابق السفلي، وكان معنا وزير الخارجية، لنشاهد فيلما عن كوريا ونضالها من أجل السيادة. وكنت أعرف قبل لقائي الزعيم الكوري انه هو الذي أطلق فكرة “زوتشه” أو “الحصان المجنح” رمزا للانطلاق الدائم بحيوية فائقة الى الأعلى.. وموجزها كما وضعها بنفسه يصلح برنامج عمل لأي دولة نامية تريد تحقيق سيادتها، وذلك في ثلاث قواعد هي: “الاعتماد على النفس في الدفاع، الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد، والاستقلال في الثقافة”.

وكان الفيلم الذي شاهدناه يصور كيف استطاع تطوير الزراعة في بلده. وعندما جاء في الفيلم منظر “حبة فجل” بحجم بطيخة كبيرة،أعرب الزعيم الكوري عن زهوه ومال إليّ قائلاً: “انظر مثلاً إلى هذه النبتة من الفجل.. كانوا في العام الماضي ينتجونها صغيرة فقلت لهم: لماذا لا تكون كبيرة” مشيرا إلى حجمها الكبير بيده. وعندما صعدنا من قاعة السينما في منزله إلى الطابق العلوي، قلت له إن أحد الصحافيين سأل الزعيم السوفياتي فلاديمير لينين أن يختصر له الاشتراكية في بلده، فأجابه لينين: “كهربة روسيا” وسألت كيم ايل سونغ: “بالنسبة لك ما هي في كوريا”؟ أجابني: “الأسمدة، فالأسمدة هي الرز. والرز هو الاشتراكية“.

ثم جلسنا إلى مائدة الطعام التي حوت أصنافاً متعددة من الطيبات. وتحدث الزعيم الكوبي خلال العشاء أنه يوصي رفاقه دائماً بأن لا يكتفوا بالنظرية وأن يكونوا عمليين. وتذكرت هنا قول الشاعر الالماني”غوته” “النظرية يا صديقي رمادية، أما شجرة الحياة فخضراء”. وقولاً مشهوراً للزعيم الصيني ماو تسي تونغ: “إذا كان الحذاء ضيقاً لا نقص القدم لتستوعب الحذاء بل العكس توسعه ليناسب القدم”.

وبين “النظرية” و”التطبيق” و”الماهية” و”الوجود”، لم أملك سوى أن أروي للزعيم الكوري قصة الوالد رجل الأعمال الذي عندما سأل ابنه الطالب عن معنى مادة الفلسفة التي كان يدرسها في الجامعة انه اشار الإبن إلى الدجاجة التي كانت على طاولة العشاء، وقال: “إنها في الفلسفة “دجاجتان” “الماهية” و”الوجود“..” وعندها رد الأب الخبير ورجل الأعمال على الفور: “حسنا.. سأتناول أنا “وجود” الدجاجة.. وأترك لك “ماهيتها“. وضحك كيم ايل سونغ للنكتة طويلاً.

ومن الدجاج إلى السياسة.. حيث لاحظت أن الزعيم الكوري فيه طبيعة الانسان المتواضع مقابل الصورة الخارجية عنه في العالم أنه موضع التبجيل الضخم لدى شعبه، وعرفت من خلال حديثي مع بعض الكوريين أن كوريا الشمالية تقع جغرافيا مثل SANDWICH بين دولتين كبيرتين: الاتحاد السوفياتي والصين، وأنه إذا تركت الأمور على طبيعتها فإن الشعب الكوري الذي اعتنق الفكرة الماركسية قد يجد بديلاً عن عبادة الله، التعلق أما بستالين أو ماو تسي سونغ.. وكانت النتيجة أنه تعلق بزعيمه الوطني كيم ايل سونغ.. الذي كان جوابه عن السؤال عما اذا كان يؤمن بالله: “كنت مؤمناً قبل أن يقصف اليابانيون كوريا ويوم دعوت الله أن لا يصيب القصف الأطفال.. كان الأطفال الكوريون مع ذلك يموتون بالقنابل اليابانية، وعندها قلت لنفسي: لا بد أن الله حليف اليابان.. وتحولت إلى عبادة العمل”.. ولذلك سمي حزب كيم ايل سونغ: “حزب العمل الكوري“.

وقبل مغادرة منزل الزعيم الكوري في ضاحية العاصمة “بيونغ يانغ” سألته: كيف ينظر إلى اسرائيل بين العرب؟ فقال ان وضعها يشبه ما نسميه بالكورية “تولياكتا” أي الجنود المرتزقة الأجانب الذي يضعونهم في الصفوف الأمامية ليتلقوا الضربة الأولى بديلاً عن أفراد الجيش الوطني. وهكذا الولايات المتحدة تستخدم اسرائيل بديلاً عن الشعب الأميركي في الشرق الأوسط بينما الأميركيون يجلسون في فللهم الفخمة في “بيفرلي هيلز”.

وانتهى اللقاء وزاد الزعيم الكوري في تكريمي بأن طلب الى طاقمه الجوي أن يعيدني إلى مقر عملي على متن طائرته الضخمة الخاصة التي أقلتني من بيونغ يانغ إلى بكين، ثم من بكين إلى كراتشي عبر طائرة الخطوط الجوية الباكستانية الى مقر عملي.

تمثال الرئيس الكوري وسط العاصمة “بيونغ يانغ”