MEA Lunches its New Mobile App, Book your Trip in only 4 Steps
November 6, 2017
مئتان وخمسون ألف دولار للطلاب الجامعيين الذين ينشؤون شركة تتمتع بأكبر أثر اجتماعي
November 7, 2017

المغتربون اللبنانيون: أجسادهم في المغترب وعقولهم في لبنان

 

  بقلم المهندس موسى فريجي

قلّما تجد لبنانياً في بلاد الإغتراب سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو كندا أو أوروبا أو دول أميركا الجنوبية أو أستراليا أو الدول الأفريقية أو الخليج العربي، إلّا ويتابع أخبار وطنه الأم ليعيش أحداثه ويتعرّف على الشاردة والواردة التي تحدث فيه حتى ولو مرّ على اغترابه عشرات السنين. فضلاً عن أنه يتحيّن الفرص لزيارة لبنان كلُّ سنة إذا ساعدته حالته المادية.

فما سرُّ هذا التعلّق والحنين؟ هل يعود ذلك الى صعوبة الإندماج بالمجتمعات المختلفة هنالك أم هو حنين للأقارب والأصحاب والجذور. أم هو سرّ يتعلّق بالجاذبية المركّبة التي يصعب حلحَلة أسبابها.

مهما تكن الأسباب، فإنّ الواقع يؤكد رغبة المغتربين بالعودة الى لبنان والعيش فيه من جديد بعد أن أتعبتهم الحياة في دنيا الإغتراب مع صعوبة الإنصهار والشعور بالوحدة.

لكن بين الرغبة والواقع كثيراً من المعوقات التي تمنعهم من الإقدام على الإنتقال الى الوطن الأم بالرغم من طغيان مشاعر الحنين المكبوتة.

من هذه الأسباب ما يتكرّر ذكره عن الفساد المُستشري والقضاء المُسيّس وطغيان المحسوبية السياسية غير الكفوءة في إدارة شؤون البلد، والإنتخابات التي يطغى عليها عنصر المال والرشوة، والإستتباع لدول أخرى تموّل الساسة المُستَتبعين كي يستطيعوا إدارة وتمويل حصونهم وأزلامهم مع ما يتخلل ذلك من شراء الضمائر وفرض إرادتهم إقناعاً أو إكراهاً.

كل هذه أسباب وجيهة وهامة تُعيق إرادة عودة المغتربين. قد يكون فقدان الأمن في مراحل زمنية متعدّدة منذ الإستقلال أو العدوان الإسرائيلي المتكرّر فضلاً عن قضية اللاجئين الفلسطينيين والحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر سنة والتي تخلّلها طغيان سياسي سوري، كلّها عوامل غير مشجعة لعودة المغتربين.

لكن يبقى عنصر يفوق كلَّ ما تقدّم ذكره من معوقات هو الصعوبة التي يواجهها المغترب الراغب في العودة في إيجاد فرصة إستثمار أو فرصة عمل تعطي لإستثماره عائداً مقبولاً أو لعمله دخلاً مناسباً. إنّ سياسة الحكومات المتعاقبة على لبنان منذ الإستقلال تقوم على الإقتصاد الحرّ غير المتزن وعلى الإنفتاح والعولمة المتوحشة، الأمر الذي نتج عنها عدم إقدام اللبنانيين للإستثمار في القطاعات الإنتاجية وإنحصرت إستثماراتهم بالعقار والسياحة.

فالعجز التجاري رافق لبنان طيلة مراحل إستقلاله حتى يومنا هذا. والأمر الذي زاد الأمر تعقيداً هو الفترة التي تلت الحرب الأهلية إلى يومنا هذا هو إنصياع المسؤولين اللبنانيين لإملاءات الدول الكبرى وأن يعمد لبنان إلى توقيع إتفاقيات التبادل التجاري الحرّ الجماعية ومنها والثنائية. نتج عن ذلك أن أقفلت معظم الصناعات وتراجعت معظم الزراعات وفقدت بذلك فرص الإستثمار وفرص العمل، فزادت البطالة وأُرغم معظم خرّيجي الجامعات للهجرة بحثاً عن لقمة العيش.

لقد عانَى لبنان من ضيق الحال وقلّة فرص العمل منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أرغم الكثيرين إلى الهجرة وخاصة إلى بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا. لم تكن هجرتهم نزهة بل مجازفة محفوفة بالمخاطر بظل إنعدام الأمن في تلك البلدان لزمن طويل وحتى الآن. إذاً إنّ السّعي إلى إيجاد فرص العمل ولتحصيل المعيشة كانا ولا يزالان العامِلَين الأساسيَّين اللذين دفعا اللبنانيين للهجرة مُتَحدّين المخاطر والصعوبات.

من هنا يمكن القول بأنّ عامل النجاح بالإستثمار للمغتربين اللبنانيين الراغبين في العودة إلى لبنان يفوق عوامل عدم الإستقرار والفساد والأمن. لكن ما هو السبيل لترغيبهم بالعودة على هذا الأساس؟

إنّ السبيل يكمن في إقتناع الحكومة اللبنانية بتحفيز الإستثمار في القطاعات الإنتاجية وإعتماد مبدأ تنوّع الإقتصاد وعدم الركون إلى حصره بالقطاعات الخدماتية والسياحة كما حصل منذ 1992 حتى الآن.

إنّ السبيل يكمن في تخفيض العجز التجاري الذي فاق 17 مليار دولار عام 2016 والمؤشرات الحالية تدل على بقائه في هذه الحدود. والتخفيض لا يمكن أن يعتمد على زيادة الصادرات، بالرغم من أهميتها لأنّ كلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة مقارنة بكل دول العالم تقريباً لأسباب كثيرة أهمها كلفة الطاقة المرتفعة، وإرتفاع  أسعار الأراضي، وكلفة اليد العاملة وإرتفاع كلفة المعيشة بشكل عام. ناهيكم عن الأسباب المناخية المؤاتية في بعض البلدان الزراعية وعنصر دعم الإنتاج ودعم تصدير المنتجات الزراعية والصناعية. كلها عوامل تجعل من إمكانية زيادة التصدير عملاً شبه مستحيل.

إذاً الحل لتصحيح العجز التجاري هو تخفيف الإستيراد لمنتجات يتمّ إنتاجها أو يمكن أن يتم إنتاجها في لبنان. وهذا لن يحدث إلاّ إذا إعتمدت الحكومة اللبنانية سياسة حماية الإنتاج الوطني عن طريق وضع رسوم جمركية فاعلة لهكذا منتجات. والغرض من ذلك هو إحلال إنتاج محلّي محل المستورد منه وبالتالي فتح باب الإستثمار في هذه المنتجات المحميّة.

        هكذا وهكذا فقط يمكن للبنان أن يحقق حلم اللبنانيين الراغبين في العودة الى الوطن الأم كي يعودوا بعلمهم وخبراتهم ومدخراتهم ليستثمروا في القطاعات الإنتاجية ويوجِدوا فرص عمل خاصةً لخرّيجي الجامعات الذين يغادر خمسة وعشرون ألفاً منهم سنوياً الى الخليج أو دول أخرى ليساهموا في بناء وتطوير تلك الدول بدل من مساهمتهم في تطوير وبناء لبنان كي ينتقل من مصاف الدول النامية الى دولة عصرية إلى صناعية.