د. بسام الفرن: معهد البحوث الصناعية 64 عاماً في خدمة الإقتصاد والصناعة اللبنانية
October 20, 2017
د. فؤاد زمكحل رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين يتلقى«درع التميز الذهبي”م”
October 21, 2017

 

تقرير من مصرف لبنان ردا على أخطاء

في وثيقة نشرت أخيرا عن السياسة النقدية

الوثيقة حافلة بالتناقضات وتتجاهل موافقة صندوق النقد الدولي

واشادته بمحافظة مصرف لبنان على احتياطيات دولية عالية

ذو الفقار قبيسي

الحملة التي تولاها بعض “الاقتصاديين” على السياسة النقدية في  لبنان، تزامنت مع حدثين: الأول اختيار مجلة “غلوبال فاينانس” حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وللسنة الثانية على التوالي من بين أفضل حكام مصارف مركزية في العالم على أساس النجاح في احتواء التضخم والحفاظ على استقرار العملة الوطنية وادارة معدلات الفائدة والثاني مع الا علان عن كتاب سيصدر في الولايات المتحدة في تشرين الثاني المقبل بعنوان A HISTORY OF THE BANK OF ENGLAND 1694-2-013 جاء فيه ان أحد أشهر حكام المصرف المركزي البريطاني MONTAGO NORMAN والذي قضى الفترة الأطول في حاكمية البنك (من 1920 الى 1944) كان لا يعبأ بـ”التنظيرات” التي يطلقها بعض الاقتصاديين من قليلي الخبرة في السياسة النقدية، ويحرص دائما على أن يقول لهم كلما التقى بهم: “لستم هنا لتقولوا لنا آراءكم في سياستنا النقدية.. بل لتطلبوا الينا فقط أن نشرح لكم هذه السياسة”.

وفي الكتاب ان ما ينطبق على الاقتصاديين، ينطبق أيضاً على السياسيين الذين يقول عنهم المؤلف انهم “فالج ولا تعالج”.. بالنسبة لخبراتهم في السياسات النقدية، وانه كلما سأل أحد النواب حاكم المصرف MONTAGO NORMAN عن مصدر معلوماته كان يكتفي بالضغط على أنفه دون جواب!

ويشرح الكتاب كيف جرى توسيع صلاحيات حاكم بنك انكلترا المركزي نحو المزيد من الاستقلالية لا سيما منذ العام 1992. وفي العام 1997 اعطي حاكم البنك بعد ذلك حرية تقرير معدلات الفوائد، وبحيث ان الحاكم الحالي MARK CARNEY أكثر صلاحيات ونفوذا من وزير المالية.

ويقول المؤلف انه عندما استدعي الحاكم الحالي من كندا لقيادة البنك في العام 2013 كان الأمر شبيها كما لو ان انكلترا استدعت لاعب الكرة الشهير LIONEL MESSI للانضمام الى فريقها الوطني في اشارة الى أهمية الخبرة والممارسة في رسم السياسات النقدية.

وبالعودة الى اختيار رياض سلامة من  بين أفضل 9 حكام مصارف مركزية في العالم الى جانب حكام المصارف المركزية في الولايات المتحدة وروسيا واستراليا وتايوان وهندوراس والمغرب، الذين تميزوا بنيلهم درجة A المرموقة، فقد أصدر مصرف لبنان بهذه المناسبة بيانا جاء فيه ان هذا الحدث “يكرس الثقة العالمية بالنظام المصرفي اللبناني الذي التزم على الدوام تطبيق المعايير الدولية بفضل سياسات مصرف لبنان المالية والنقدية الصارمة. كما انه يشكل نقطة ايجابية معينة للبنان، تبين الدور البناء والبارز الذي يؤديه البنك المركزي اللبناني”.

علما ان “غلوبال فاينانس” تعد منذ العام 1994 تقريرا سنويا تعطي فيه أسماء أفضل حكام مصارف مركزية في 83 بلداً رئيسياً والاتحاد الأوروبي.

… عادت “حليمة”!

وبالعودة الى الحملة التي شنها بعض “الخبراء” على السياسة النقدية في لبنان، فان “حليمة ـ كما يبدو ـ عادت الى عادتها القديمة” وفي “تحليلات” تحمل في خارجها، وأحياناً في طياتها، “الطابع التحليلي العلمي” لكنها في واقع الحال، تصورات تخلو من المعلومات الصحيحة والأرقام الدقيقة. وأبرز ما قرأناه منها أخيراً وثيقة تناولت معدلات الفوائد التي يدفعها مصرف لبنان على ايداعات المصارف المحلية لديه بالعملات الأجنبية، وعلى شهادات الايداع التي يصدرها بالعملة المحلية.

والملفت أن هذه “التحليلات” تكتفي بوصف هذه المعدلات بأنها “سخية” و”غير مبررة” ودون مقارنات واقعية وحقيقية مع معدلات الفوائد في البلدان المماثلة أو المجاورة، ومنها مثلا مصر أو تركيا وسواها،  بدل مقارنتها مع معدلات الفائدة السائدة في مصارف أوروبا أو سواها.

ويتجاهل أصحاب هذه “التحليلات”  أن أسعار الفائدة تقررها أيضاً عوامل منها:

1 ـ درجة المخاطر في ظروف أمنية وسياسية استثنائية اقليمية ودولية، ومدى تأثيرها على الداخل اللبناني.

2 ـ درجة الاحتياطيات المتوافرة لدى المصرف المركزي بمختلف أشكالها وأنواعها.

3 ـ حجم الدين العام في لبنان ومدى احتمالات تزايده على المدى القريب والبعيد.

4 ـ درجة وكثافة التدفقات المالية من الخارج سواء من تحويلات اللبنانيين العاملين في العالم أو لجهة حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأحياناً غير المباشرة في لبنان.

5 ـ حجم الناتج في لبنان أو حجم الاقتصاد ومقارنته مع حجم الدين العام.

6 ـ الوضع السياسي ومدى شدة وكثافة الخلافات السياسية في لبنان.

8 ـ عدالة القضاء ومدى حياديته في النزاعات.

9 ـ طبيعة التشريعات الاستثمارية.

10ـ البنية التحتية والتسهيلات المتوافرة للمستثمرين

11 ـ مدى فعالية البورصات والاسواق المالية المحلية في توفير بدائل تمويلية للقطاعات، إضافة لقدرات المصارف في التمويل.

12 ـ  مدى وجود أو غياب أي مخطط لدى الدولة يستند إلى دراسات معمقة واحصاءات دقيقة عن الوضع الاقتصادي والمالي.

ونحن نسرد كل هذه العوامل، لا لنقول أن ما يدفعه مصرف لبنان للمصارف مقابل ايداعاتها أو مقابل شهادات الايداع التي يصدرها، هو كم “كثير” أم “قليل” “سخي” أم “بخيل”.. وإنما لنؤكد على نقطة أساسية مهمة هي أن مجرد “شحن” الجماهير بعموميات خالية من المعلومات الصحيحة والأرقام الدقيقة والمقارنات السليمة، من شأنه أن يضر بمصلحة الاقتصاد العام وبسلامة النقد، دون أن يساهم ذلك بأي اقتراحات وحلول مجدية. بل هو في أفضل حالات حسن النية المحتمل لدى أصحابة تشبه قول شكسبير في احدى مسرحياته: “Much do about nothing”، وبما يكشف عنه في هذا السياق التقرير الذي  أصدره مصرف لبنان ردا على وثيقة نشرت أخيراً حول السياسة النقدية في لبنان، حافلة بالتناقضات التي تدحضها موافقة صندوق النقد الدولي وأشادته بالاحتياطيات الدولية العالمية لدى مصرف لبنان.